محمد الغزالي
29
فقه السيرة ( الغزالي )
ولا يعلم أقدار النفوس إلا بارئها ، والذي يريد هداية العالم أجمع يختار للغاية العظيمة أنفسا عظيمة ، وقد كان العرب في جاهليتهم يرمقون محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالإجلال ، ويحترمون في سيرته شارات الرجولة الكاملة ، إلّا أنهم لم يتخيّلوا قط أن مستقبل الحياة قد ارتبط بمستقبله ، وأن الحكمة ستتفجّر من ذلك الفم الطّهور ، فتطوي السهوب والجدوب ، وتثب الوهاد والنّجاد . إنهم لا يرون منه إلا ما يراه الطفل من سطح البحر ، تشغله الصفحة الهادئة عن الغور البعيد . كان اصطفاء اللّه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم مفاجأة لم تلبث روعتها أن تكشفت عنه ، ثم ثبت الكاهل الجلد لما ألقي عليه ، ومضى على النهج مسددا مؤيدا . ومكث الوحي ينزل ثلاثا وعشرين سنة كانت الآيات تنزل خلالها حسب الحوادث والأحوال ، وهذه الفترة الطويلة الحافلة هي فترة تعلّم وتعليم . اللّه عز وجلّ يعلّم رسوله ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يتلقى هذه المعارف الحية ، فيديرها في نفسه حتى يحيلها جزا من كيانه ، ثم يعلّمها الناس ويأخذهم بها أخذا . ونزول القران على هذه الوتيرة مقصود للشارع الحكيم ، فإن الزمن جزء من علاج النفوس ، وسياسة الأمم ، وتقرير الأحكام . واتساق القران في أغراضه ومعانيه - على طول المدة التي استغرقها في تجمّعه - يعتبر من وجوه إعجازه ؛ فإن خواتيمه - بعد ربع قرن - جاءت مطابقة مساوقة لفواتحه ، يصدق بعضها بعضا ويكمله ، كأنما أرسلت في نفس واحد . وقد تساءل العرب : لم نزل القران كذلك ؟ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) [ الفرقان ] . إنّ القران يشرح حقيقة الدين عند اللّه وتاريخ هذه الحقيقة ، وهو - في دعوته العامة - يبسط الشبهات العارضة ويفنّدها ، ويسوق أدلته وهو على بينة من آراء خصومه ، ويتتبع أقصى ما يثار ضدّه ، ثم يكرّ عليه بالحجة فيمحقه ، وقد بدأ القران بين قوم تشعّب الكفر في نفوسهم ، ومرنت على الجدل ألسنتهم ، وكأنّ القدر تخيّر هذه البيئة لتكون مجتمعا يمثل اخر ما يحيك في القلوب من ريبة ، واخر ما يبذله الباطل من التحدي ، فإذا أفلح الإسلام في